نايف القزلان

نايف القزلان

عن التمايز في النجاح، رؤية فلسفية 💡

لطالما شغلني سؤال فلسفي فحواه: كيف يتمايز الناس في النجاح؟ كيف يبذل شخصان نفس الجهد وينجح الأول بينما يفشل الثاني أو ينجح بدرجة أقل، موضوع طويل وأشبع بحثا وتطرق له العديد في كافة أصقاع المعمورة. ومصادفة وقبل عدة أيام تطرق الصديق فيصل الخميسي الى جانب من هذا الموضوع وحاوره الصديق علاء المكتوم برأي يستحق التوقف والنظر، ومؤخرا برزت فكرة نقاش محلية حول العديد ممن نجحوا في تأسيس شركات محلية ناشئة رغم بساطة هؤلاء الأشخاص تعليما او معرفة، بينما فشل الكثيرون ممن يعتد بهم كجهابذة في مجالاتهم في قيادة نجاح مماثل.

 

قبل أن أطرح وجهة نظري القاصرة، لنستثني الجانب الديني من الموضوع والذي لا يتعارض مع السياق العام لهذه الفكرة، فالاسلام حث على التوكل وعدّها من أجلّ العبادات وقرنه بفعل الأسباب، وفي ذلك تفصيل طويل اخترت منه رأي للشيخ الراحل عبدالعزيز ابن باز رحمه الله، ثم التوفيق للأفضل وهذا رزق مكتوب.

ماذا بعد التوكل؟ ماهي الأمور التي تصنع التمايز بين الناس؟ حاولت أن أخرج بتصور مبسط يضمن صورة شاملة لكافة الأمور التي تمكن فلانا من أن يكون أكثر نجاحا من غيره وخلصت الى 4 ركائز:

 

  • الموهبة: ما يولد به الانسان من مواهب تصنع الفوارق الأولية بين الأشخاص، ويمكن ملاحظة هذا جليا في المراحل المبكرة بين الأطفال، هناك طفل ذكي ولمّاح واخر بطيء الاستيعاب، هذه أشياء تولد معنا يمكن تطويرها ان كانت إيجابية او تحسينها ان كانت سلبية لكنها تظل أشياء جينية، لا يمكن تغييرها 180 درجة وانما يمكن تعظيمها او تهذيبها من خلال الركائز اللاحقة.
  • المعرفة: وهنا حاولت تجنب استخدام كلمة التعليم لأن المعرفة أشمل وأعم، بينما يرتبط التعليم ذهنيا بصورة الدراسة ثم الجامعة ثم الشهادات العلمية، فإن المعرفة تتفرع الى ماهو اكثر من ذلك بكثير لتشمل القراءة والمحاضرات والتعليم عن بعد ومتابعة الجديد في أي صناعة كانت وتجربة الأشياء ومحاولة الفهم المستمر، وهذا جانب يمكن للوالدين التأثير فيه بالاستثمار في تطوير أبنائهم وعدم حصر المعرفة بالتعليم النظامي فقط وانما تشجيعهم على طرق كل باب ولو كان في غير التخصص وتنشئة الأبناء على حب العلم والاعتداد به، وتعويدهم على البحث والتقصي ومعرفة المعلومة الجيدة من الرديئة، وهذه رحلة طويلة تبدأ مع الوالدين لكنها تستمر مع بلوغ الابن لمرحلة عمرية تخوله اكمال المشوار بنفسه، ولا حد لهذه الرحلة حتى آخر يوم في الحياة، إذ أن العلوم تتجدد ولا تنتهي، ومعرفة المزيد سلاح في معركة التمايز والنجاح، هل المعرفة لوحدها كافية؟ لا بكل تأكيد وربما تكون نقمة أحيانا أن تعرف الكثير لأن ذلك يزيد من حذرك وحساباتك في تقييم أي فرصة متاحة، ويسقطك في وحل ما يسمى بـ Analysis Paralysis أو شلل التحليل في أن تقودك معرفتك لتعقيد المسائل والاستغراق في تحليل كل زواياها إلى أن تخلص أنها غير مناسبة أو يفوتك القطار.
  • المحيط: لمحيط الشخص منذ ولادته تأثير عليه، هذه حقيقة لا تقبل الجدال، أن يكون الطفل محاطا منذ سنواته الأولى بأمثلة ناجحة من مجالات مختلفة في عائلته المباشرة او عائلته الممتدة، ثم اختلاطه بناجحين في دراستهم في مرحلة لاحقة، ثم بناء شبكة معارفه واصدقاءه ثم زملاءه في الجامعة والعمل، تأثير لا يمكن اغفاله نحو بناء شخصية تؤمن ان النجاح اختيار وليس نصيبا، والمثل الدراج انك متوسط من تجالسهم سواء في النجاح او الخيبات يمكن البناء عليه في حالات كثيرة فمحيطك دائما يجذبك إليه، وبالحديث عن هذه الركيزة يجب أن نشير الى أن المحيط من حولك يصنع شبكة علاقاتك وبالتالي الفرص التي يمكن خوضها او الحصول عليها، ولذلك نجد أن أبناء العائلات المقتدرة حظوظهم أوسع في الحصول على فرص أفضل، صحيح أن الفرصة لا تعني النجاح بشكل مباشر لكن مجرد الحصول على فرصة وظيفية او تجارية بسبب شبكة علاقات جيدة تسهل الكثير من الأمور، وفي هذه النقطة يجب أن نفهم أن ذلك ليس أفضلية مباشرة وانما هي نتيجة لجيل سابق او جيلين بنوا مثل هذه الشبكة التي خولتهم وخولت ابناءهم من بعدهم الحصول على فرص أفضل، لكن هل هذه هي الطريقة الوحيدة؟ بكل تأكيد لا إذ تجد بين حين وآخر شخصا من عائلة متوسطة لكنه يحظى بشبكة علاقات مماثلة بسبب أنه عمل على ذلك، فالجانب الجيني في أنك ابن لهذه العائلة او تلك ليست نهاية الطريق وانما يلعب الجانب العملي دورا كبيرا في مثل هذه العلاقات.
  • الشخصية: تصنع الثلاث ركائز السابقة شخصية تحدد كيف يتصرف الشخص في حياته اليومية، كيف يتعامل مع من حوله؟ كيف يبني شبكة علاقاته؟ كيف يعرف نقاط قوته ويعظمها ونقاط ضعفه ويطورها؟ كيف يقيم الفرص من حوله أيا كانت ويتحرك بناء على هذا الأساس، كيف يستفيد من المعرفة ومن كل ما تعلمه بطريق تخوله للنجاح في أي فرصة كانت وظيفية او تجارية او حتى لبناء محيط أفضل يعطيه مزيدا من الفرص. رأيي الشخصي حول موضوع التمايز في النجاح يقول أن الشخصية ومعرفة الانسان بنفسه هي أهم ركيزة، لنلق نظرة أخرى، هناك أشخاص أذكياء لكنهم أقل نجاحا من أشخاص أقل منهم ذكاء بكثير رغم أنني لا أحب النقاش في موضوع الذكاء لأنه نسبي بعض الشيء، هناك أشخاص يسبحون في بحر من المعرفة لكن فرصهم ونجاحاتهم محدودة لأنهم غرقوا في بحر المعرفة والتعليم فقط ولم يبحثوا عن فرص تفتح لهم أبواب النجاح، أما المحيط فهناك الكثير من الأشخاص الفاشلين من عائلات ثرية وذات نفوذ مقابل أشخاص ذوي نجاح ساطع من عائلات متوسطة أو فقيرة، لكن ما يجعل الشخص أكثر نجاحا من غيره هو توظيف الثلاث ركائز الأولى في صنع الركيزة الرابعة وهي الأكثر أهمية، بناء شخصية تقرأ الذات وتعرف نقاط موهبتها وضعفها، تعرف كيف تكتسب المزيد من المعرفة وتصنع طريقا واضحا ومستداما لمخزونها المعرفي، تعرف كيف تقيم شبكة علاقاتها ومحيطها وتعمل على بناء شبكة اكبر واكثر فاعلية، ثم تؤطر هذا كله نحو ماهي الفرص المناسبة وتقتنصها.

 

ختاما، هذا الرأي تشكّل عندي على مراحل وخلال سنوات طويلة حتى خلصت إليه، دفعني لكتابته إضافة للنقاش بين فيصل وعلاء، حدثٌ في الأسبوع الماضي حول إدراج شركة “شور العالمية للتقنية” في سوق نمو يوم الإثنين 24 أكتوبر 2022، عشت كافة تفاصيله مع الصديق باسم السلوم قبل أن ينضم كرئيس تنفيذي لشركة شور قبل 4 سنوات وحتى يوم الإدراج، رسّخ نظرتي لموضوع التمايز في النجاح وأهمية بناء الشخصية والوعي الذاتي نحو صناعة حاضر شخصي زاهر ومستقبل مشرق، لذا لا يمكنني التفكير بنموذج أفضل من أبو المها – باسم السلوم – لما يجب أن يكون عليه الشخص في نظرته لذاته ثم محيطه وتحركاته نحو صناعة نجاحات متتالية.