خصوصية البيانات والغضب من واتساب وفيسبوك، ماذا يحصل حولنا؟

اذا كنت تتابعني على تويتر فقد كتبت تغريدات متعددة في متابعة ماذا يحصل حول هذا الموضوع منذ أشهر لكن حان الوقت لكتابة تدوينة مفصلة، مبسطة، وسهلة الفهم للمستخدم العادي لمعرفة ما سبب المشكلة التي نشأت حديثا حول تطبيق واتساب وماهي أصولها، سأستخدم في هذه التدوينة تطبيق “واتساب” كمثال، ويمكنك تطبيق ذات الجوانب على أي تطبيق آخر لمعرفة مدى خصوصية بياناتك وماهو الخطر والفائدة من مشاركتها، لنبدأ.

العناصر المكونة للحديث عن هذا الموضوع هي 5 عناصر:

  • التطبيق: مثل تطبيق واتساب.
  • نظام التشغيل: مثل نظام iOS من أبل لأجهزة الايفون.
  • المعرف الاعلاني (MAID = Mobile Advertising ID): وهو رقم ثابت خاص بكل جهاز يصدره نظام التشغيل ويعطيه لمطور أي تطبيق تقوم بتحميله على جوالك، وهذا هو أساس المعركة.
  • البيانات: كل ما يمكن للتطبيق معرفته بسبب تحميلك واستخدامك لهذا التطبيق، مثلا في واتساب يعرف رقمك، موقعك اذا كنت تستخدم خاصية مشاركة الموقع، جهات الاتصال لديك، اصدقاءك وأفراد عائلتك الذين تراسلهم بكثرة، المجموعات التي تكون عضوا فيها، المواضيع التي تتكلم بها والصور التي تشاركها والفيديوهات التي ترسلها و و و و، كل ما تقوم بفعله على واتساب يمكن للشركة “رؤيته” ولكن هل تراه فعلا؟ الاطلاع والاستفادة من المعلومات موضوع اخر، لكن البيانات بحوزتها.
  • خصوصية البيانات (Privacy): هي أطار للتعريف بـ:

    • ماهي البيانات التي يجمعها واتساب عنك؟
    • أين يحتفظ بها؟
    • كيف يعالجها؟
    • هل يستفيد منها؟
    • مدة الاحتفاظ بالبيانات؟
    • آلية نسيانك، في حال قررت انك لا ترغب باستخدام التطبيق وتريد من واتساب ان يحذف كل شيء يخصك من مراكز بياناته، هل هناك طريقة لهذا الشيء؟

سؤال: لماذا أفردنا “المعرف الاعلاني” لوحده رغم انه يعتبر جزءا من البيانات ويمكن دمجه معها؟

جواب: لأن المشكلة الحالية تدور حول المعرف الاعلاني وليس حول البيانات ككل، سنفهم ذلك بالتفصيل في الأسطر القادمة.

 

السيناريو (1): كيف يتم الافصاح عن البيانات التي تجمعها التطبيقات وأين محل المستخدم (أنت) من هذه المعادلة؟

يشترط نظام التشغيل (2) مثل iOS على أي تطبيق (1) مثل واتساب أن يكون لديه سياسة خصوصية (5) واضحة مدرجة تحت التطبيق في متجر التطبيقات وجزء من عملية التسجيل في التطبيق عند استخدامه لأول مرة تحتوي على كافة تفاصيل البيانات (4) التي يجمعها التطبيق ويحصل عليها مطور التطبيق وكيف يتعامل معها؟ لا يمكن لأي تطبيق وخصوصا واسعة الاستخدام ان يكون على المتجر بدون سياسة خصوصية واضحة وموافق عليها، أوف، 4 من 5 عناصر رئيسية مذكورة أعلاه، أي العنصر رقم (3) أو المعرف الاعلاني؟ غير موجود لأنك بمجرد تحميل التطبيق سيحصل مطور التطبيق على هذا الرقم مباشرة، بالمناسبة هذا الرقم ثابت لجوالك، ونفس الرقم الذي يحصل عليه واتساب هو ذات الرقم الذي سيحصل عليه تويتر عندما تحمل تطبيقهم هو ذات الرقم الذي سيحصل عليه مطور لعبة ببجي، رقم المعرف الاعلاني ثابت (نعم يمكن تغييره ولكن لا يمكن إلغاؤه).

السيناريو (2): ماهي أهمية المعرف الاعلاني لشركة مثل فيسبوك؟

المعلومات التي تعرفها فيسبوك عنك من استخدامك لتطبيق واتساب وانستغرام وفيسبوك وماسنجر تعطيها تصورا كاملا عنك كشخص، ماذا تحب وماذا تكره؟ ماهو الوقت اللازم لاقناعك بشراء منتج ما او استخدام تطبيق ما؟ بمعنى أن لدى فيسبوك القدرة لمساعدة المعلنين (مطعم بخاري مثلا) لأن يقوم بعمل حملة اعلانية على انستغرام تكون مؤثرة جدا ومردودها ممتاز بسبب دقة البيانات التي تعرفها فيسبوك عن مستخدمي شبكة تطبيقاتها، والتي بدورها لن تظهر اعلانات محل البخاري إلا للأشخاص الذين احتمالية أن يذهبوا او يقوموا بالطلب من هذا المطعم عالية جدا، حسنا، هذه هي قوة البيانات بشكل عام، لكن كيف تستهدف فيسبوك هؤلاء الأشخاص؟ الجواب هو باستخدام المعرف الاعلاني، وللتبسيط المعرف الاعلاني يمكن اعتباره هو هويتك على الانترنت، بمعنى يمكن لفيسبوك ان تضبط اعدادات حملة مطعم البخاري آنف الذكر ليصل فقط الى الاشخاص الساكنين حول هذا المطعم ممن يذهبون باستمرار لمحلات مشابهة وترسل لهم اعلانات هذا المطعم باستخدام “المعرف الاعلاني” الذي جمعته من واتساب.

السيناريو (3): ما الذي تغير إذا في هذه المعادلة؟

جمع البيانات (4) لن يتغير ما دام مطور التطبيق (1) يفصح عن البيانات التي يجمعها في سياسة الخصوصية (5) ويبين آلية تخزينها ومعالجتها والاستفادة منها، وما دام المستخدم (أنت) يوافق دون قراءة عند تسجيلك في أي تطبيق على الشروط والأحكام وسياسة الخصوصية، الذي تغير هو أن نظام التشغيل (2) سيفرض على التطبيقات الحصول على إذن المستخدم لجمع “المعرف الاعلاني” (3) تماما كما يطلب منك أي تطبيق إذنا للسماح بالتنبيهات، او السماح باستخدام الموقع الجغرافي، هذه الخطوة وعدت بها أبل منذ العام الماضي وحددت موعد اطلاق نظام التشغيل iOS 14 لتطبيقها ولكنها عادت وتراجعت وأجلت الموعد إلى أجل غير مسمى، حتى صرّح النائب الأعلى لرئيس شركة أبل لهندسة البرمجيات أن التطبيقات غير الملتزمة بهذه الاجراء سيتم حذفها من متجر التطبيقات، حتى اليوم لم يعلن عن تاريخ محدد لتطبيق هذا الإجراء.

السيناريو (4): كيف ستتضرر فيسبوك من هكذا تعديل على آلية جمع المعرف الاعلاني؟

فيسبوك بتطبيقاتها (1) ستستمر في جمع البيانات التي أشارت لها في سياسة الخصوصية (5) الخاصة بكل تطبيق، ولكن للاستفادة منها يتوجب عليها الحصول على المعرف الاعلاني (3) للمستخدم، لكي توجه إعلاناتها له على الانترنت، بدون هذا المعرف تبدو المعلومات التي تعرفها فيسبوك عنك “قليلة الفائدة” ولكنها بكل تأكيد ليست “عديمة الفائدة”، هذا يعني ان دخل فيسبوك من الاعلانات وشهرتها بدقة اعلاناتها ومردودها على المعلنين ستتضرر بشكل كبير، فيسبوك بنفسها اعلنت انها قد تخسر 50% من دخلها عبر شبكتها الاعلانية Audiences.

السيناريو (5): كيف تفجّرت الأوضاع وتأزم الموقف؟

أبل لم تعلن تاريخا محددا لتطبيق السياسة الجديدة حول طلب إذن المستخدم للحصول على المعرف الاعلاني، ولكن فيسبوك استبقت الأوضاع ونشرت اعلانات بصفحات كاملة في يومين متتاليين (16 و 17 ديسمبر) على أشهر الصحف الأمريكية تندد بخطوة أبل،

ثم نشرت اعلانا منبثقا في واتساب يوم 7 يناير يقول للمستخدم أنه بتاريخ 8 فبراير سيتحتم عليك منحنا إذنا بمعرفة “معرفك الاعلاني” وموافقة على تعديلات جوهرية حول سياسة الخصوصية أو لن تستطيع استخدام واتساب نهائيا،

لا يمكنني تحليل السبب الذي دعا فيسبوك للقيام بهكذا خطوة خصوصا أن أبل لم تحدد تاريخا للبدء بهذه السياسة، وربما تتراجع عنها، لكن تحليلي الشخصي أن فيسبوك اختارت ان تستبق الأحداث وتأخذ الصدمة مبكرا، لكن ذلك لم يفلح على ما يبدو، لتدخل في مرحلة إطفاء الحرائق فنشرت صفحة للتبرير عن خطوتها تحت قسم الاسئلة الشائعة في موقع واتساب أقل ما توصف بأنها ساذجة، إذ أدرجت فيها مالا يقومون برؤيته او معالجته لكنها لم تتطرق إلى البيانات التي يمكن لهم رؤيتها والاستفادة منها.

هذه الخطوة زلزلت أكبر أسواق تطبيق واتساب وهو الهند الذي يضم 459 مليون مستخدم نشط لواتساب، اضطرت معه الشركة للنزول بإعلان في الصفحة الأولى على أشهر الصحف الهندية لتبرير موقفها، رافق ذلك صعود صاروخي لأعداد المستخدمين الذين انضموا إلى تطبيقي تلغرام (الروسي/الألماني) وسيقنال التطبيق غير الربحي الذي يعتبر الخصوصية مسؤوليته رقم 1.

أفكار جانبية حول الموضوع:

ختاما، أود الاستشهاد بكلمة سمو ولي العهد حول هذا الجانب:

” نحن نعيش في زمن الابتكارات العلمية والتقنيات غير المسبوقة وآفاق نمو غير محدودة، ويمكن لهذه التقنيات الجديدة مثل الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء في حال تم استخدامها على النحو الأمثل أن تجنّب العالم الكثير من المضار وتجلب للعالم الكثير من الفوائد الضخمة. “

أي أن البيانات سلاح ذو حدين، الاستخدام الجيد لها سيكون في مصلحة الجميع من منصات ومستخدمين وأصحاب للأعمال، وإساءة استخدامها حتما ستسبب ضررا للجميع وللاقتصاد الرقمي بشكل عام.