تاريخيا: الخلاف الطاريء بين التسويق وتقنية المعلومات

قبل أن ندخل في تفاصيل الخلاف (الطاريء) بين التسويق وتقنية المعلومات، وهو طاريء لأنه حديث جدا ولم يظهر الا في اخر 15 عاما تقريبا، دعونا نتعرف على مصطلحات مهمة جدا ستحدد المناطق المشتركة للخلاف بين الطرفين (هذه مصطلحات خلافية أي أنه لا يوجد لها تعريف متفق عليه والتعاريف أدناه هي رؤيتي الشخصية):

  • Digitization: هي عملية تحويل عملية يدوية ورقية (مثل تعبئة نموذج اصدار جواز سفر) الى عملية تتم عبر الكمبيوتر، سواء كان عبر الانترنت أم في مقر هذا النشاط، وأنا أجد أن أقرب وصف بالعربية لهذه الخطوة هي “أتمتة”.
  • Digitalization: هي استخدام التقنيات الحديثة والبيانات التي يتم جمعها من “الأتمتة” لتحسين العمل او تغييره بشكل جذري يخلق قيمة مضافة للعميل، المثال على ذلك: عند قرب انتهاء جواز سفرك ستصلك رسالة تنبيه على جوالك، ستقوم بالدخول على نظام ابشر وتجديد الجواز والدفع عبر قناة بنكية مربوطة بنظام ابشر، ثم سيتم ايصال الجواز الجديد الى منزلك عبر ناقل بريدي، لذا هذا المصطلح غير من مفهوم تجربة العميل بالكامل وطوّع التقنية لخدمته، وأقرب وصف لهذه بالعربية لهذه الخطوة هي “رقمنة”، طبعا من الواضح انه لا يمكن القيام بـ”رقمنة” دون “أتمتة”.
  • Digital transformation: التحول الرقمي ببساطة هو خليط من الاثنين أعلاه، إذا لماذا نستخدم هذا المصطلح؟ الجواب لأنه اعم واشمل أولا، وثانيا وهو المهم: يمكنك ان تقوم بأتمتة و رقمنة في جزيرة بدائية لكافة الخدمات الاساسية والكمالية ولكن لن يستخدمها أحد لأن البلد غير مهيأ ببنية تحتية، مثلا لا يوجد انترنت فكيف تطلب منهم استخدام خدمات مؤتمتة ومرقمنة؟ التحول الرقمي مرتبط بالناس والثقافة وتقبلهم لاستخدام التقنية، مثال بسيط:
    1. لنفترض أننا في العام 2014 (يبدو قريبا جدا) وقيل لك أنه خلال عام من الان سيكون هناك عدد كبير من الأفراد (ليسوا موظفين في شركة) خلال اوقات فراغهم ينتظرون منك أن تطلب أي شي من أي مكان وسيقومون باحضاره لك مقابل مبلغ زهيد، يبدو جنونا! نعرف انه يمكننا طلب الاشياء ولكنها من اماكن محددة، شاورما من شاورمر، بيتزا من دومينوز، سيقومون بتوصيلها، لكن أن اطلب من شخص (فرد) ان يذهب الى متجر ايكيا المزدحم ويشتري لي اغراضا حددتها له ويدفع قيمتها ويحضرها الى منزلي وسأدفع له قيمة الأغراض والمشوار، لا أعتقد.
    2. في العام 2015 تأسس مرسول بنفس الفكرة أعلاه واحتاج بعض الوقت ليتقبل الناس هذه الفكرة الـDisruptive واليوم نحن في 2020 ولا اعتقد ان هناك سعوديا او سعودية لم يطلب من مرسول، هذا اسمه Digital Transformation او تحول رقمي.
  • Digital Economy: الاقتصاد الرقمي هو الجزء من الاقتصاد الذي ينتج حراكا ماليا ويخلق وظائف بالاعتماد على منتجات تقنية بالكامل، على سبيل المثال كان دخل فيسبوك للعام 2019 هو 70 مليار دولار امريكي وصافي أرباحه هو 18 مليار دولار امريكي ويعمل لديه 45 ألف موظف حول العالم وهو منتج رقمي بالكامل.

 

لنعد بالزمن إلى الوراء، كانت الأعمال تدار بالورقة والقلم والدفاتر والسجلات، وكان التسويق موجودا بصور شتى، حتى اختراع الكمبيوتر في ثلاثينيات القرن الماضي ثم أتت ثورة تقنية المعلومات في اواخر السبعينات وبداية الثمانينات فغيرت من حياة (الأعمال) بشكل كبير ورافقها موجة من إنشاء اقسام صغيرة لتقنية المعلومات في الشركات لـ “أتمتة” الاعمال وتسهيلها، ما لبثت ان تحولت الى اقسام اكبر فأكبر إلى أن أصبحت جزءا رئيسيا لأي عمل، صاحب ذلك ظهور تخصصات جامعية عدة ومسميات وظيفية كثيرة مثل CIO الرئيس التنفيذي للمعلومات او CTO الرئيس التنفيذي للتقنية، لكنها لم تؤثر على التسويق بشكل كبير، لماذا؟

أحد المغالطات الدارجة ان التسويق هو التواصل والاعلان فقط، بينما ذلك صحيح جزئيا الا ان التسويق يتكون من 4 أقسام رئيسية او ما يسمى 4Ps:

  • P: المنتج او Product
  • P: التسعير أو Pricing
  • P: التواصل او Placement
  • P: النشر أو Promotion او الاعلان

خدمت ثورة تقنية المعلومات الجزء الاول من التسويق (المنتج والتسعير) بشكل كبير لكن الجزء الثاني (التواصل والإعلان) لم يتأثر بشكل كبير؟ لأن ثورة تقنية المعلومات لم تطل قنوات التسويق الرئيسية: (التلفاز – الصحف – المجلات – الاعلانات الخارجية واعلانات الطرق) فظل العاملون في مجال اتصالات التسويق يغردون خارج السرب غير مستفيدين ولا متضررين من سطوة التكنولوجيا، حتى بدأ الانترنت بالانتشار منتصف التسعينات الميلادية من القرن الماضي، فماذا حصل؟ لنلق نظرة على التسلسل التالي:

  1. كانت ادارات تقنية المعلومات تعتمد على بناء المنتجات او شراءها (او ترخيصها) وتشغيلها داخل مراكز البيانات لديها، لم يكن هناك Cloud بالمعنى الموجود الان ولم يكن هناك SaaS
  2. فتح الانترنت أبواب النعيم (والجحيم) للمسوقين، فمن جهة أصبح الوصول الى ملايين المستخدمين سهلا، ومن جهة أخرى فالانترنت متفرع ومتشعب وله خصائص معقدة من ناحية نوعية المحتوى والمتلقي مختلفة عما اعتاد عليه المسوقون في القنوات التقليدية، إضافة الى أن المتلقي هنا يستطيع أن يبدي رأيه بعكس التلفاز والاعلانات الخارجية والصحف وهي قنوات أحادية الجانب. ولكنها كانت مرحلة بسيطة جدا ولم يكن هناك خلاف بعد بين التسويق والتقنية، يمكن تأريخ هذه المرحلة منذ العام 1995 وحتى 2007 او ظهور الايفون.
  3. انتقلت الانترنت بنظري الى مرحلة جديدة لثلاثة أسباب رئيسية منذ ظهور الايفون وحتى اليوم:
    • تطور شبكات الاتصالات وتقديم منتجات الانترنت المتنقل (جربت اول انترنت متنقل PAYG على لاب توب في العام 2006-2007 تقريبا)
    • نوعية الجهاز المستخدم للولوج الى الانترنت تغير من الأجهزة الثابتة الى أجهزة الجوال مما منح المستخدمين وقتا اكثر للتفاعل مع العالم عبر الانترنت تعاظمت رغبات المسوقين في اكتشاف هذا العالم.
    • ثورة الشبكات الاجتماعية.
  4. تعاظمت رغبات المسوقين لاستخدام التقنية ورافق ذلك ظهور العديد من المنتجات التي تخدم اهداف المسوقين سواء كانت مستضاف داخل الشركات (وهذا نادر) او منتجات على الانترنت SaaS ورافق ذلك بزوغ نجوم كثيرة في هذا الفضاء.

 

بدأ الخلاف بين التسويق والتقنية يظهر هنا، ولمعرفة أسس الاختلاف يجب ان نعرف ماهي اهتمامات الطرفين أولا:

  1. التسويق:
    • الحصول على عملاء جدد في أقصر وقت وأقل تكلفة.
    • التميز في تقديم المنتحات والاعلان لها.
    • الوقت اللازم للوصول الى المستهلك النهائي يجب أن يكون الأقصر دائما وهو ما يسمى Speed-to-Market
    • المرونة في التغيير للمنتج او التسعير او طريقة الإعلان بناء على اراء العملاء.
    • البراند او نظرة العميل للشركة ككل.
    • الرغبة في تجربة كل شي جديد على أرض الواقع.
  2.  التقنية:
      • استقرار الأنظمة
      • أمن المعلومات
      • الصيانة والدعم.
      • توحيد المعايير.
      • جودة البيانات
      • تحسين العائد من الاستثمار في البنية التحتية للتقنية.

 

لنأخذ مثالا عاما على هذا الخلاف سيقرب لكم الواقع بشكل كبير، التسويق يرغب في أداة لجدولة منشوراته على الشبكات الاجتماعية ويطلب ذلك من تقنية المعلومات، يعود فريق التقنية باقتراح ان يتم تطوير نظام للقيام بهذا الهدف او الترخيص لأحد الحلول المتاحة واستضافتها داخل مركز بياناته، وهذا سيكلف × وسيحتاج الى 30 يوم عمل لانجازه، يرد فريق التسويق ان الخدمة متاحة واسمها Buffer.com والاشتراك فيها يتم خلال دقيقة والتكلفة منخفضة وبكل الأحوال هي أقل من تكلفة تطويرها داخليا، يرد فريق تقنية المعلومات ان استخدام خدمات الكلاود غير مسموح لدواعي الأمن السيبراني وخصوصية بيانات العملاء.

هذا مثال توضيحي بسيط لكنه متكرر على عدة أصعدة، هل هذا الخلاف مشكلة ومن الممكن ان يسبب صعوبات للعمل؟ في رأيي الشخصي ان هذا الخلاف صحي جدا عندما يكون على السطح، عندما يتفق الفريقان ان الحل ليس أبيضا او اسودا فقط، وانما هي معادلة جديدة لعالم متغير تضع جميع المعايير من التكلفة والوقت اللازم للانجاز والعائد من الخدمة وامن المعلومات وخصوصية العملاء في سلة واحدة لاتخاذ القرار الصحيح.

يمكنكم القراءة أكثر عن هذا الموضوع، هناك الكثير من المقالات التي ناقشت فكرة الخلاف، حاولت أن أبينها في سياق تاريخي ليتمكن المتلقي من معرفة اصل المشكلة، وفي تدوينات لاحقة عندما نتكلم عن الحلول.